السيد كمال الحيدري

104

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

سلبياً على وجه العموم بمعنى أنّ هذه الفلسفة لم تقرّ أصول المكاشفة والشهود ولم تؤمن بمعطيات تلك الأصول بنحو يجوز بناء المسائل العلمية عليها والإيمان المنطقي بها ، فرفضت كلّ قيمة لمعطيات العرفان العملي نجد أنّ الحكمة المتعالية سلكت اتّجاهاً آخر يقول : « إن الأصول العقلية ليست بمثابة يمكن بناء صرح علميّ شامخ عليها ؛ وذلك لقصورها عن أن ينكشف بها تلك الحقائق الوجودية التي تخضع عندها قوّة العقل ، لا لمنافاتها ومخالفتها لتلك الحقائق . إذن يجب أن نحصّل أصولًا تقوى على كشف الأطوار المستقرّة فوق الطور العقلي ، وليست هذه الأصول إلّا أُسس المكاشفة وقواعد الشهود ، أعني الأسس والقواعد التي أنتجها الاتّصال بسرّ الوجود مباشرة كما يقول علم العرفان ثمّ إذا تحصّلت هذه الأسس والقواعد إمّا بالكشف المباشر والشهود المتّصل بالغيب وإمّا بالإيمان بمن يدّعي ذلك ، فللباحث عن العرفان أن يستخرج المسائل عن تلك الأسس استخراجاً مبنيّاً على أصول العقل وضوابطه . فأصول العقل بدلًا من أن تلعب دور التأسيس للمسائل وتُتلقّى بمثابة البنيات الأساسية للقضايا ، بدلًا عن ذلك تلعب هنا أي في طور العرفان دور التنظيم والاستخراج ، كالدور الذي تلعبه قواعد المنطق في الفلسفة وسائر العلوم الاستدلالية » « 1 » . وأمّا الفرق بين الحكمة المتعالية والمدرسة العرفانية فقد اتّضح أيضاً ؛ لأنّ الحكمة المتعالية تعطي دوراً أساسياً للاستدلال العقلي في مجال اكتشاف الحقائق الوجودية ، إلّا أنّها لا تعتقد أنّ العقل قادر على نيل كلّ الحقائق من خلال المنهج العقلاني وإنّما تسمح له في حدود معيّنة وترفض قدرته على ما وراء ذلك ، بخلاف ما وجدناه في بعض النصوص التي أشرنا إليها في

--> ( 1 ) مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : المقدمة ، ص كر .